زعيم الجبيل
06-27-2008, 01:38 PM
لا إشكاليةَ أو لا ينبغي أن نجد في دائرتنا الحضارية الإسلامية إشكاليةً ما في الانفتاح على العالم، ولا في التواصل الثقافي والحضاري، ولكنّ الإشكالية تكمن مقابل ذلك في الدعوات والممارسات التي تربط مثل ذلك الانفتاح أو التواصل بموقفين متوازيين:
(1) جلد الذات.. والذات هنا هو الآخر في دائرتنا الحضارية الإسلامية.
(2) التسليم للآخر.. والآخر هنا هو الآخر في الدائرة الحضارية الغربية.
الذات والآخر.. بين الجلد والتسليم
الأمثلة كثيرة، تجد التعبير عنها بصور متعدّدة، منها ما نقرأ بقلم الكاتب د. السيد ولد داده: ((العرب أضاعوا من قبل فرصا تاريخية ثمينة للاندماج في عصور الحداثة لتمسكّهم بالخصوصية القومية، وانجرافهم في اليطوبيا الوحدوية، والحلّ الوحيد المتاح أمامهم اليوم هو الاندماج في منظومة العولمة ولو في مواقعها الهامشية والاستعداد لدفع استحقاقاتها الباهظة))(1).. لماذا؟ هل هي عقوبة ذاتية؟ ومن أين يأتي القرار بأنّ هذه حتمية ولا يوجد حلّ آخر؟
ونقرأ كمثال آخر بقلم الكاتب والسياسي العراقي د. حسين الهنداوي:
((أمّا "التنوير" وعصره ما بين بداية السابع عشر ورحيل الثامن عشر (يقصد القرنين الميلاديين)، فهو ثورة ضد كلّ مزاعم الحقّ -الإلهي أو الوضعي- في تجاوز سيادة المجتمع المدني. وأهمّ منجزاته هي فكرة "العقد"، حيث الوعي هو الجوهر، وحيث لا نور إلا نور الحرية. هناك تنوير، كما يقول "عمانوئل كانت"، عندما يكون هناك، معا، استعمال كوني واستعمال حرّ واستعمال علني للعقل. وهناك تنوير، استنتاجا، عندما يكون هناك، ومعا، انتصار لمبدأ "العقد الاجتماعي" على مبدأ "الراعي والرعية"، وانتصارًا لمفهوم المرأة على مفهوم الحريم وانتصار للحرية على القوة، وللديمقراطية على الشورى، وللدستور على الأعراف، وللثقافة على السلطة، وللإنسانية على الأعراق، وللمواطن على الفحل))(2).
وللقارئ أن يعجب من هذا الاستنتاج التأويلي لكلام "كانت" نفسه، ثمّ من توظيف ذلك التأويل المنحرف لحملة تهجّمية كلامية على الدين الإسلامي بالذات، ثمّ كيف يحشر الكاتب في عبارات معدودة ما استطاع حشره من مفردات ذات علاقة، وغير ذات علاقة بالدين، إنّما يمكن التأكيد أنّ الهنداوي لا ينفرد بهذا الأسلوب، فهو ما يتّبعه كثيرون ممّن حوّلوا التنوير الأوروبي إلى ظلمات، وابتكروا في الوقت نفسه لفظة الظلاميّة ليمارسوا ما يمارسونه من عداء للآخر.
سؤال الجدوى واللياقة
لا تفيد مثل هذه الأساليب للتسليم تجاه الآخر والتقويض للذات، ولا سيّما أنّ فلسفات التنوير الغربي، وفلسفات الحداثة نفسها تجد النقد والنقض في أرض نشأتها الأولى، من جانب دعاة ما بعد الحداثة الذين مضوا بها شوطا أبعد، ومن جانب آخرين لا يقبلون بما بعد الحداثة أيضا.
وليس مجهولا أنّ للتنوير والحداثة وما بعد الحداثة تاريخا فلسفيا يمتدّ عدّة قرون، وتصل جذوره إلى الإغريق، فإذا انطلقنا جدلا من الاستجابة للدعوات الفلسفية المطروحة، وفق زعمٍ يقول إنّها من وراء الوصول إلى المعرفة والتقدّم، وخدمة الإنسان والمجتمع، والعقل المستنير والرابطة الإنسانية، وما إلى ذلك من عناوين مغرية من حيث صياغتها، فهل يوجد فيما نُشر من كتب ومقالات، وعُقد من مؤتمرات وندوات، بل ما يُعتمد من مناهج لتدريس الفلسفات الغربية في الجامعات، ما يمكن أن يعطي إجابة أسئلة عملية، يمكن أن تصدر عن فرد مسلم أو غير مسلم، ملتزم إسلاميا أو غير ملتزم، ممّن يوصف بالنخبة أو خارج نطاقها، حول التعامل مع تلك الدعوات الفلسفية، لتجزم تلك الإجابة وتحسم، للأخذ بفلسفة وترك أخرى، في الحياة المعيشية، اجتماعيا وثقافيا وسياسيا وفكريا؟
إنّ ادّعاء التجرّد في الدعوات إلى التعامل مع أي علم أو ظاهرة ممّا يؤثّر على الإنسان وميادين حياته، ادّعاء لا ينطبق على الواقع إلا نسبيا وفي حالات نادرة. وليست قيمة التعامل القويم مرتبطة بموقف تجرّد مطلق -مستحيل أو شبه مستحيل واقعيا- بل بهدف التعامل، وهنا يجب تحديد الهدف الذاتي المطلوب من التعامل مع هذه المصطلحات ذات الخلفية الفلسفية، مقابل:
(1) هدف معلَن للفلسفة، كتخصص جامعي على الأقلّ، هو الوصول إلى المعرفة.
(2) وهدف عملي، عند دعاة الحداثة وما بعدها والعلمانية وما يرتبط بها، هو -كلاميا على الأقل- توظيف المعارف المقرّرة عبر الفلسفة في خدمة الإنسان وسعادته.
وإذ يستحيل التجرّد المطلق ينبغي التأكيد أيضا أنّ جوهر الإشكاليّة المشار إليها مع دعاة التوجّهات المنبثقة عن نظرات فلسفية غربية، لا يكمن في هذين العنوانين، المعرفة والسعادة، فلا أحد يحمل عقلا سويّا ويفضّل الجهل على المعرفة، ويطلب التعاسة بدلا من السعادة، بل يكمن جوهر الإشكاليّة في منطلق كلّ فريق منهم -وهم فرقاء متعدّدون جدّا- مهما ادّعى التجرّد، إذ يتجاوز بمنطلقه وبأطروحاته الجانب النظري للفلسفة كعلم من العلوم، ويتغلغل بها في الجوانب العملية الوظيفية.
إنّ الدعوة إلى طريقة فلسفية ما كالجدلية مثلا، لا تنحصر في أسلوب جدال، كما قد توحي اللفظة لغويا، بل تعني الأخذ بنهج شامل للتعامل مع الإنسان وحياته وبيئته عموما، كما يظهر مثلا من الجدلية الماركسية وأطروحاتها.
ما الذي يقرّر سلامة الأخذ بها لدينا وعدم الأخذ بغريمتها، أي الجدلية الهيجلية؟
وإنّ الدعوة إلى طريقة فلسفية معيّنة كالبنيوية مثلا، لا يقف عند حدود استيعاب نصوص أدبية، بل يريد التغلغل -مثلا- في اتجاه تبديل تعاملنا مع النصوص القرآنية من أسلوب يقرّره القرآن نفسه، أي الله تعالى الذي أوحى به، إلى ما يمليه فلاسفة البنيوية.
ما الذي يجعل التجرّد متمثلا في الانطلاق من مقولات البنيويين لدراسة النصّ القرآني، وليس في الانطلاق من الآيات القرآنية في دراسة تلك المقولات؟
مسيرتان متمايزتان
ليس للجدل نهاية، أمّا على الصعيد التطبيقي العملي فالقاسم المشترك بين المغالطات في الأمثلة المذكورة وسواها، أنّ من يطرحها على دائرتنا الحضارية الإسلامية، بدعوى تحقيق التقدّم غالبا -وهذا بتقليد الغرب- يخلط قاصدًا أو غير قاصد بين مسيرتين متداخلتين في الغرب الذي تُنقل عنه مقولاته الفلسفية، هما المسيرة العملية للإنتاج والتقدّم، ومسيرة النظريات الفلسفية المتقلّبة.
وتتركّز نقاط التمايز والتداخل بين هاتين المسيرتين على:
(1) الإنجازات العلمية والتقنية والمادية من صنع مسيرة الإنتاج ومناهجه العمليّة وبحوثه العلميّة والتطويرية.
أمّا المسيرة الفلسفية فهي في الغرب حاضنة منظومة المعتقدات والقيم والأخلاق، وبالتالي الإبداعات الحقيقية.. وكذلك التقليعات والشطحات والانحرافات الشاذّة، في الحياة الأدبية والثقافية والفنية وفي ميادين العلاقات الاجتماعية.
(2) مسيرة الإنتاج العلمي والتقني والمادي، ترتكز على اتجاهات ومناهج عملية بأثر تطبيقي مباشر، كالرأسمالية، والشيوعية، وما شمل علوم الإدارة والتسويق وغيرها.
أمّا المسيرة الفلسفية فتركّز على أطروحات نظرية متقلّبة كالوجودية والحداثة، وما انبثق عنهما وضدّهما وبعدهما، وتركّز بالتالي على الإنسان وقيمه وأخلاقه ونظرته إلى الألوهيّة وإلى جنس الإنسان نفسه والطبيعة، وهذا ما يؤدّي إلى توظيف مسيرة الإنتاج، إيجابيا أو سلبيا، لتحقيق السعادة أو نشر التعاسة، ولجلب الخير والسلم والأمن، أو جلب الشرور والحروب والخوف، ولتحقيق التواصل الحضاري أو نشر هوّة التخلّف والتقدّم والفقر والثراء والترف والمجاعات.
(3) أصبح لمسيرة الإنتاج مع هيمنة المادة مراكزُ قوى احتكارية قادرة على توظيف ما يناسبها من الفلسفات، كالتسلّع والأنثنة، لتحقيق منافعها الذاتية، فجعلت منها أدواتٍ تؤثّر على أنماط المعيشة ومنظومة القيم لتحقّق أغراضا مادية، واقعية لا فلسفية نظرية.
أمّا المسيرة الفلسفية فمن طبيعتها ما يجعلها تتقلّب بين ما لا يُحصى من المواقع المتناقضة والمضادّة بعضها بعضًا، فيرتفع تأثيرها حينا ويهبط حينا آخر، وهو في الوقت الحاضر تأثير محدود على مسيرة الإنتاج التقني والعلمي والمادي، وهو ما تشهد عليه مواقف كثير من المفكّرين والفلاسفة المعاصرين في الغرب.
بين الأنوار والسلاسل
ليس مجهولا ما انتشر من انتقادات لِما أوصلت إليه فلسفات الحداثة، ومن بين ذلك انتقادات دعاة ما بعد الحداثة، والتي ترمز إليها مقولة معروفة لكثرة ما يردّدونها عن فيلسوفهم فوكو: "إن الأنوار التي خلقت الحريات هي التي خلقت السلاسل والأغلال أيضا"، فعلى افتراض وجود ما يستدعي المضيّ وراء مسيرة فلسفية غربية ما، نتساءل:
ما الذي يسوّغ الأخذ بما خلق السلاسل لا الأنوار فقط؟
أم هل يمكن الأخذ بفلسفات نشأت بعدها (بعد عصر التنوير أو الأنوار) من أجل تحقيق تقدّم وتطوّر تحققا مع فلسفات نشأت قبلها؟
يستحيل في إطار التعامل مع المسيرتين الأخذ في آن واحد بنهج عملي ونقيضه، كالرأسمالية والشيوعية، أو برؤية فلسفية ونقيضها، كالبنيوية والتفكيكية، بل لا بدّ من معايير للاختيار، على افتراض وجوبه جدلا.
يظهر ذلك للعيان بقوّة عند النظر على سبيل المثال في مواقف فريق لا يرى في أطروحات الغرب الفلسفية سوى ما يريد هو أن يراه، فيتبنّى اتجاها ما، متعصّبا له رافضا وجود سواه، كما يصنع الكاتب الشيوعي فؤاد النمري حين يقول مثلا:
))مصير الإنسان وأصله هما موضوع الفلسفة وهما ذات المصير وذات الأصل لكلّ الأجناس ولكلّ الثقافات والأديان. أمّا تناول الموضوع فمنهاج المادية الدياليكتيكية هو السبيل الوحيد لكلّ بحث جادّ))(3).
معايير وضوابط ذاتية
إنّ التعامل مع المصطلحات ذات الخلفيّة الفلسفية لا يستقيم دون معايير وضوابط ذاتية، بل إنّ من بين أسباب نشأة توجّهات مختلفة ومتناقضة في عالم الفلسفة، ما كان نتيجة رؤية بعض الفلاسفة بمنظوره ومعاييره الذاتية لأطروحات آخرين من السابقين أو المعاصرين، ليقبل من المطروح أو يرفض تبعا لذلك، ثمّ قد يطرح جديدا أو إضافة من جانبه.
إذا كان ذاك كذلك في نطاق دائرة معرفية غربية ذات جذور مشتركة، فمن باب أولى أن يكون في التعامل من داخل دائرتنا المعرفية مع الوارد من دائرة معرفية أخرى. علام يَحرم عند من يريدنا أن نأخذ ما لدى الآخرين دون جدال، أن نصنع ذلك بأنفسنا وفق معاييرنا لأنفسنا بهدف تحقيق نهوضنا؟
لا غنى عن تثبيت ضوابط ومعايير ذاتية، ترتكز على محاور متعدّدة، ونأخذ هنا محورا واحدا منها كمثال، باعتباره الأوفر حظا من الجدال على صعيد الدعوة إلى الأخذ بالتوجّهات الفلسفيّة الغربية، وهو المحور المرتبط بالعلاقة بين الوحي والفلسفة.
--------------------------------------------------------------------------------
كاتب فلسطيني المولد (عكا) سوري الأصل، من مواليد 1947 م، ومقيم في ألمانيا منذ عام 1965م.
(1)- د. السيد ولد أباه، "القومية والتحديث: الإشكال الملتبس"، موقع "البلاغ" .
(1) جلد الذات.. والذات هنا هو الآخر في دائرتنا الحضارية الإسلامية.
(2) التسليم للآخر.. والآخر هنا هو الآخر في الدائرة الحضارية الغربية.
الذات والآخر.. بين الجلد والتسليم
الأمثلة كثيرة، تجد التعبير عنها بصور متعدّدة، منها ما نقرأ بقلم الكاتب د. السيد ولد داده: ((العرب أضاعوا من قبل فرصا تاريخية ثمينة للاندماج في عصور الحداثة لتمسكّهم بالخصوصية القومية، وانجرافهم في اليطوبيا الوحدوية، والحلّ الوحيد المتاح أمامهم اليوم هو الاندماج في منظومة العولمة ولو في مواقعها الهامشية والاستعداد لدفع استحقاقاتها الباهظة))(1).. لماذا؟ هل هي عقوبة ذاتية؟ ومن أين يأتي القرار بأنّ هذه حتمية ولا يوجد حلّ آخر؟
ونقرأ كمثال آخر بقلم الكاتب والسياسي العراقي د. حسين الهنداوي:
((أمّا "التنوير" وعصره ما بين بداية السابع عشر ورحيل الثامن عشر (يقصد القرنين الميلاديين)، فهو ثورة ضد كلّ مزاعم الحقّ -الإلهي أو الوضعي- في تجاوز سيادة المجتمع المدني. وأهمّ منجزاته هي فكرة "العقد"، حيث الوعي هو الجوهر، وحيث لا نور إلا نور الحرية. هناك تنوير، كما يقول "عمانوئل كانت"، عندما يكون هناك، معا، استعمال كوني واستعمال حرّ واستعمال علني للعقل. وهناك تنوير، استنتاجا، عندما يكون هناك، ومعا، انتصار لمبدأ "العقد الاجتماعي" على مبدأ "الراعي والرعية"، وانتصارًا لمفهوم المرأة على مفهوم الحريم وانتصار للحرية على القوة، وللديمقراطية على الشورى، وللدستور على الأعراف، وللثقافة على السلطة، وللإنسانية على الأعراق، وللمواطن على الفحل))(2).
وللقارئ أن يعجب من هذا الاستنتاج التأويلي لكلام "كانت" نفسه، ثمّ من توظيف ذلك التأويل المنحرف لحملة تهجّمية كلامية على الدين الإسلامي بالذات، ثمّ كيف يحشر الكاتب في عبارات معدودة ما استطاع حشره من مفردات ذات علاقة، وغير ذات علاقة بالدين، إنّما يمكن التأكيد أنّ الهنداوي لا ينفرد بهذا الأسلوب، فهو ما يتّبعه كثيرون ممّن حوّلوا التنوير الأوروبي إلى ظلمات، وابتكروا في الوقت نفسه لفظة الظلاميّة ليمارسوا ما يمارسونه من عداء للآخر.
سؤال الجدوى واللياقة
لا تفيد مثل هذه الأساليب للتسليم تجاه الآخر والتقويض للذات، ولا سيّما أنّ فلسفات التنوير الغربي، وفلسفات الحداثة نفسها تجد النقد والنقض في أرض نشأتها الأولى، من جانب دعاة ما بعد الحداثة الذين مضوا بها شوطا أبعد، ومن جانب آخرين لا يقبلون بما بعد الحداثة أيضا.
وليس مجهولا أنّ للتنوير والحداثة وما بعد الحداثة تاريخا فلسفيا يمتدّ عدّة قرون، وتصل جذوره إلى الإغريق، فإذا انطلقنا جدلا من الاستجابة للدعوات الفلسفية المطروحة، وفق زعمٍ يقول إنّها من وراء الوصول إلى المعرفة والتقدّم، وخدمة الإنسان والمجتمع، والعقل المستنير والرابطة الإنسانية، وما إلى ذلك من عناوين مغرية من حيث صياغتها، فهل يوجد فيما نُشر من كتب ومقالات، وعُقد من مؤتمرات وندوات، بل ما يُعتمد من مناهج لتدريس الفلسفات الغربية في الجامعات، ما يمكن أن يعطي إجابة أسئلة عملية، يمكن أن تصدر عن فرد مسلم أو غير مسلم، ملتزم إسلاميا أو غير ملتزم، ممّن يوصف بالنخبة أو خارج نطاقها، حول التعامل مع تلك الدعوات الفلسفية، لتجزم تلك الإجابة وتحسم، للأخذ بفلسفة وترك أخرى، في الحياة المعيشية، اجتماعيا وثقافيا وسياسيا وفكريا؟
إنّ ادّعاء التجرّد في الدعوات إلى التعامل مع أي علم أو ظاهرة ممّا يؤثّر على الإنسان وميادين حياته، ادّعاء لا ينطبق على الواقع إلا نسبيا وفي حالات نادرة. وليست قيمة التعامل القويم مرتبطة بموقف تجرّد مطلق -مستحيل أو شبه مستحيل واقعيا- بل بهدف التعامل، وهنا يجب تحديد الهدف الذاتي المطلوب من التعامل مع هذه المصطلحات ذات الخلفية الفلسفية، مقابل:
(1) هدف معلَن للفلسفة، كتخصص جامعي على الأقلّ، هو الوصول إلى المعرفة.
(2) وهدف عملي، عند دعاة الحداثة وما بعدها والعلمانية وما يرتبط بها، هو -كلاميا على الأقل- توظيف المعارف المقرّرة عبر الفلسفة في خدمة الإنسان وسعادته.
وإذ يستحيل التجرّد المطلق ينبغي التأكيد أيضا أنّ جوهر الإشكاليّة المشار إليها مع دعاة التوجّهات المنبثقة عن نظرات فلسفية غربية، لا يكمن في هذين العنوانين، المعرفة والسعادة، فلا أحد يحمل عقلا سويّا ويفضّل الجهل على المعرفة، ويطلب التعاسة بدلا من السعادة، بل يكمن جوهر الإشكاليّة في منطلق كلّ فريق منهم -وهم فرقاء متعدّدون جدّا- مهما ادّعى التجرّد، إذ يتجاوز بمنطلقه وبأطروحاته الجانب النظري للفلسفة كعلم من العلوم، ويتغلغل بها في الجوانب العملية الوظيفية.
إنّ الدعوة إلى طريقة فلسفية ما كالجدلية مثلا، لا تنحصر في أسلوب جدال، كما قد توحي اللفظة لغويا، بل تعني الأخذ بنهج شامل للتعامل مع الإنسان وحياته وبيئته عموما، كما يظهر مثلا من الجدلية الماركسية وأطروحاتها.
ما الذي يقرّر سلامة الأخذ بها لدينا وعدم الأخذ بغريمتها، أي الجدلية الهيجلية؟
وإنّ الدعوة إلى طريقة فلسفية معيّنة كالبنيوية مثلا، لا يقف عند حدود استيعاب نصوص أدبية، بل يريد التغلغل -مثلا- في اتجاه تبديل تعاملنا مع النصوص القرآنية من أسلوب يقرّره القرآن نفسه، أي الله تعالى الذي أوحى به، إلى ما يمليه فلاسفة البنيوية.
ما الذي يجعل التجرّد متمثلا في الانطلاق من مقولات البنيويين لدراسة النصّ القرآني، وليس في الانطلاق من الآيات القرآنية في دراسة تلك المقولات؟
مسيرتان متمايزتان
ليس للجدل نهاية، أمّا على الصعيد التطبيقي العملي فالقاسم المشترك بين المغالطات في الأمثلة المذكورة وسواها، أنّ من يطرحها على دائرتنا الحضارية الإسلامية، بدعوى تحقيق التقدّم غالبا -وهذا بتقليد الغرب- يخلط قاصدًا أو غير قاصد بين مسيرتين متداخلتين في الغرب الذي تُنقل عنه مقولاته الفلسفية، هما المسيرة العملية للإنتاج والتقدّم، ومسيرة النظريات الفلسفية المتقلّبة.
وتتركّز نقاط التمايز والتداخل بين هاتين المسيرتين على:
(1) الإنجازات العلمية والتقنية والمادية من صنع مسيرة الإنتاج ومناهجه العمليّة وبحوثه العلميّة والتطويرية.
أمّا المسيرة الفلسفية فهي في الغرب حاضنة منظومة المعتقدات والقيم والأخلاق، وبالتالي الإبداعات الحقيقية.. وكذلك التقليعات والشطحات والانحرافات الشاذّة، في الحياة الأدبية والثقافية والفنية وفي ميادين العلاقات الاجتماعية.
(2) مسيرة الإنتاج العلمي والتقني والمادي، ترتكز على اتجاهات ومناهج عملية بأثر تطبيقي مباشر، كالرأسمالية، والشيوعية، وما شمل علوم الإدارة والتسويق وغيرها.
أمّا المسيرة الفلسفية فتركّز على أطروحات نظرية متقلّبة كالوجودية والحداثة، وما انبثق عنهما وضدّهما وبعدهما، وتركّز بالتالي على الإنسان وقيمه وأخلاقه ونظرته إلى الألوهيّة وإلى جنس الإنسان نفسه والطبيعة، وهذا ما يؤدّي إلى توظيف مسيرة الإنتاج، إيجابيا أو سلبيا، لتحقيق السعادة أو نشر التعاسة، ولجلب الخير والسلم والأمن، أو جلب الشرور والحروب والخوف، ولتحقيق التواصل الحضاري أو نشر هوّة التخلّف والتقدّم والفقر والثراء والترف والمجاعات.
(3) أصبح لمسيرة الإنتاج مع هيمنة المادة مراكزُ قوى احتكارية قادرة على توظيف ما يناسبها من الفلسفات، كالتسلّع والأنثنة، لتحقيق منافعها الذاتية، فجعلت منها أدواتٍ تؤثّر على أنماط المعيشة ومنظومة القيم لتحقّق أغراضا مادية، واقعية لا فلسفية نظرية.
أمّا المسيرة الفلسفية فمن طبيعتها ما يجعلها تتقلّب بين ما لا يُحصى من المواقع المتناقضة والمضادّة بعضها بعضًا، فيرتفع تأثيرها حينا ويهبط حينا آخر، وهو في الوقت الحاضر تأثير محدود على مسيرة الإنتاج التقني والعلمي والمادي، وهو ما تشهد عليه مواقف كثير من المفكّرين والفلاسفة المعاصرين في الغرب.
بين الأنوار والسلاسل
ليس مجهولا ما انتشر من انتقادات لِما أوصلت إليه فلسفات الحداثة، ومن بين ذلك انتقادات دعاة ما بعد الحداثة، والتي ترمز إليها مقولة معروفة لكثرة ما يردّدونها عن فيلسوفهم فوكو: "إن الأنوار التي خلقت الحريات هي التي خلقت السلاسل والأغلال أيضا"، فعلى افتراض وجود ما يستدعي المضيّ وراء مسيرة فلسفية غربية ما، نتساءل:
ما الذي يسوّغ الأخذ بما خلق السلاسل لا الأنوار فقط؟
أم هل يمكن الأخذ بفلسفات نشأت بعدها (بعد عصر التنوير أو الأنوار) من أجل تحقيق تقدّم وتطوّر تحققا مع فلسفات نشأت قبلها؟
يستحيل في إطار التعامل مع المسيرتين الأخذ في آن واحد بنهج عملي ونقيضه، كالرأسمالية والشيوعية، أو برؤية فلسفية ونقيضها، كالبنيوية والتفكيكية، بل لا بدّ من معايير للاختيار، على افتراض وجوبه جدلا.
يظهر ذلك للعيان بقوّة عند النظر على سبيل المثال في مواقف فريق لا يرى في أطروحات الغرب الفلسفية سوى ما يريد هو أن يراه، فيتبنّى اتجاها ما، متعصّبا له رافضا وجود سواه، كما يصنع الكاتب الشيوعي فؤاد النمري حين يقول مثلا:
))مصير الإنسان وأصله هما موضوع الفلسفة وهما ذات المصير وذات الأصل لكلّ الأجناس ولكلّ الثقافات والأديان. أمّا تناول الموضوع فمنهاج المادية الدياليكتيكية هو السبيل الوحيد لكلّ بحث جادّ))(3).
معايير وضوابط ذاتية
إنّ التعامل مع المصطلحات ذات الخلفيّة الفلسفية لا يستقيم دون معايير وضوابط ذاتية، بل إنّ من بين أسباب نشأة توجّهات مختلفة ومتناقضة في عالم الفلسفة، ما كان نتيجة رؤية بعض الفلاسفة بمنظوره ومعاييره الذاتية لأطروحات آخرين من السابقين أو المعاصرين، ليقبل من المطروح أو يرفض تبعا لذلك، ثمّ قد يطرح جديدا أو إضافة من جانبه.
إذا كان ذاك كذلك في نطاق دائرة معرفية غربية ذات جذور مشتركة، فمن باب أولى أن يكون في التعامل من داخل دائرتنا المعرفية مع الوارد من دائرة معرفية أخرى. علام يَحرم عند من يريدنا أن نأخذ ما لدى الآخرين دون جدال، أن نصنع ذلك بأنفسنا وفق معاييرنا لأنفسنا بهدف تحقيق نهوضنا؟
لا غنى عن تثبيت ضوابط ومعايير ذاتية، ترتكز على محاور متعدّدة، ونأخذ هنا محورا واحدا منها كمثال، باعتباره الأوفر حظا من الجدال على صعيد الدعوة إلى الأخذ بالتوجّهات الفلسفيّة الغربية، وهو المحور المرتبط بالعلاقة بين الوحي والفلسفة.
--------------------------------------------------------------------------------
كاتب فلسطيني المولد (عكا) سوري الأصل، من مواليد 1947 م، ومقيم في ألمانيا منذ عام 1965م.
(1)- د. السيد ولد أباه، "القومية والتحديث: الإشكال الملتبس"، موقع "البلاغ" .